(خالد التوبة) 

برازيليا -  من الصعب إيجاد نقاط إيجابية لجائحة كوفيد-19، لا سيما في واحد من أكثر البلدان تأثرا بالفيروس، وهو البرازيل الذي سُجلت فيه حتى الآن أكثر من 620 ألف حالة وفاة. غير أن هذه المحنة حملت في طياتها فرصا للعاملين في مجال توصيل الوجبات على الأقل، بل إن بعضهم يعتبرون أنفسهم محظوظين في بلد تسجل فيه مستويات البطالة ارتفاعا مستمرا.

    ففي هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 213 مليون نسمة، تتزايد باستمرار الطلبيات على الطعام عبر الانترنت والتطبيقات المخصصة لهذا الغرض. فقد ارتفعت النسبة المئوية لأولئك الذين يقومون بطلبية واحدة على الأقل في الأسبوع من 40,5 في المائة قبل الجائحة إلى 66,1 في المائة.
   وانتقل عدد الأشخاص الذين يقومون بطلبية واحدة على الأقل يوميا من 14,2 في المائة إلى 22,1 في المائة، وفقا لدراسة حول "المستهلك عبر الإنترنت في البرازيل"، أنجزتها وكالة "إيديلمان" برعاية شركة "باي بال"، والتي توخت رصد واقع قطاع التوصيل لدى المطاعم في البرازيل.

   وفي السياق ذاته، أشارت الدراسة إلى أن 11,6 في المائة فقط من الأداءات تتم نقدا.

   ويفضل البرازيليون خدمة التوصيل إلى المنازل خوفا من الإصابة بكوفيد-19. وأكد 63,9 في المائة من المستجوبين أنهم يفضلون طلب الطعام لتجنب الاتصال بأشخاص آخرين والوقاية من خطر العدوى.

   ويشكل هذا التوجه نحو خدمات التوصيل فرصة للآلاف من عمال التوصيل، الذين يختار معظمهم التنقل بالدراجة النارية. غير أنه مع تطور النشاط، بدأت مشكلات بنيوية تثير حفيظة هؤلاء العمال، وغالبيتهم من الشباب الذين فقدوا عملهم الأصلي.
   ووفقا لمسح أجرته "غالونيون كونسالتينغ" بشراكة مع الجمعية الوطنية للمطاعم، والمعهد البرازيلي للخدمات الغذائية، فقد انضم 46 في المائة من العمال المتخصصين فقط في التوصيل إلى الشبكة أثناء الجائحة.

   رودريغو، عامل توصيل (27 عاما) لدى "إي فود"، وهي شبكة توصيل واسعة الانتشار في البرازيل، قال في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء "بصراحة، لا نملك الحق في الشكوى. كان يمكن أن نفعل ذلك قبل الجائحة، لكن مع فقدان العديد من الوظائف في البرازيل، أعتقد أننا محظوظون".

   غير أن هذا الشاب البرازيلي أقر بالصعوبات المرتبطة بهذا العمل البسيط الذي "لا يُنظر إليه على أنه جيد من الناحية الاجتماعية".
   وفي سنة 2021، نظم عمال التوصيل العديد من الإضرابات في جميع أنحاء البرازيل، وهي خطوات سعى من خلالها هؤلاء العمال للاستفادة من الزيادة في الطلب لتحسين ظروف العمل.

   وتأثرت جميع التطبيقات تقريبا المخصصة لخدمات التوصيل جراء هذا التوقف عن العمل، بما في ذلك "إي فود" و"رابي" و"بوكس ديليفري" و"أوبر إيتس"، وهي الأكثر نشاطا في البرازيل. واضطرت للتفاوض مع عمال التوصيل، الذين كتب بعضهم مطالبه على صناديق التوصيل.

   وتتعلق مطالب المضربين بشكل خاص بإلغاء توصيل عدة طلبيات في آن واحد، والطرد غير المبرر للعمال، وضعف قيمة الحد الأدنى للسعر لكل عملية توصيل، ناهيك عن سلامة العمل.
   وبهذا الخصوص، يقول مارسيليو ألفيس، وهو عامل توصيل "نتعرض للاستغلال. والطريقة الوحيدة لتغيير الوضع هي إسماع صوتنا"، مضيفا أن شركات التوصيل "تستغل الوضعية الاقتصادية للبلد الذي يعيش أزمة، وبالتالي أي شخص عاطل عن العمل سيخضع للشروط المحددة مسبقا".

   ورغم الاستجابة إلى عدد من المطالب، يبدو أن التوتر الكامن قد يتفجر في أية لحظة. ويؤكد الارتفاع المستمر في أسعار الوقود هذا المعطى، وهو ما دفع ببعض التطبيقات، خاصة "إي فود" إلى إنشاء صندوق خاص للتخفيف من أثر فاتورة الوقود.
   وحفز الطلب الكبير على خدمات التوصيل السريع في ظل جائحة كوفيد-19 أنشطة التأمين، التي شهدت زيادة في الطلب على المخططات التي تغطي المخاطر الناجمة عن التنقلات من البيت إلى العمل.

   ووفقا لبحث أجراه معهد البحوث الاقتصادية التطبيقية، نُشرت نتائجه في شتنبر الماضي، فإن حوادث السير التي يتعرض لها راكبو الدراجات النارية تمثل أكثر من ثلث الوفيات على الطرق في البرازيل.

   وإذا كان عمال توصيل الخدمات قد أصبحوا أكثر أهمية من ذي قبل، فإن وجودهم يصب أيضا في صالح المطاعم، التي ترى فيهم وسيلة للصمود خلال فترة الجائحة.
   وفي هذا الصدد، أظهر بحث أجرته "في آر بينيفتس" ومعهد لوكوموتيف"، أن 89 في المائة من المطاعم البرازيلية تُضَمن التوصيل في استراتيجيات المبيعات الخاصة بها. هذا الرقم أعلى بنسبة 29 في المائة من الرقم المسجل قبل جائحة كوفيد-19. ونصف المبيعات في 56 في المائة من المطاعم تتم عن طريق التوصيل.

   وبالنسبة لفترة ما بعد الجائحة، يتوقع بحث ANR-IBSA انخفاضا محتملا في هذه العادة بين البرازيليين، لكنه سجل أن الاستعانة بخدمة التوصيل لن تعود أبدا إلى أقل من معدل ما قبل الجائحة: فالنسبة المئوية للأشخاص الذين يعتزمون الحفاظ على هذه العادة اليومية، على الرغم من إعادة فتح المطاعم على نطاق واسع، هي 57,8 في المائة.

   وسيستمر التوصيل والمنصات الرقمية في البروز ضمن المخططات الاستثمارية لسلاسل الوجبات السريعة خلال سنة 2022، مثل ماكدونالدز التي تخطط للتوسع اعتمادا على ثلاث ركائز، وهي التوصيل وخدمة الطلب أثناء القيادة والرقمنة.
   وبذلك، تكون جائحة كوفيد-19 قد غيرت استراتيجيات الشراء وكذا البيع بالنسبة للمطاعم، التي يعتزم 90 في المائة منها الحفاظ على خدمات التوصيل ومنصاتها الإلكترونية، مقابل 81 في المائة العام الماضي. ولا يشمل هذا التوجه قطاع المطاعم فحسب، وإنما جميع شبكات التجارة الإلكترونية بالتقسيط.