الرباط -  قال خبراء وباحثون في علم النفس والاجتماع إن جائحة كورونا أبرزت ضرورة إعادة النظر في دعامات إقرار مجتمع مؤمن بقيم التماسك والتضامن والصمود، تنخفض فيه مظاهر العنف والهشاشة، تحسبا للأزمات والجوائح التي يتوقع أن تحدث مستقبلا.

ودعا المتدخلون في ندوة نظمها "مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد"، في إطار برنامجه الأسبوعي "حديث الثلاثاء"، لمناقشة آثار أزمة كورونا على الفرد والأسرة والانعكاسات النفسية والاجتماعية والتواصلية التي أبرزتها هذه الجائحة، إلى استمرارية المواكبة النفسية والإرشاد المدرسي النفسي، لأن التوقعات الطبية تشير إلى أن المجتمعات ستعرف في السنوات المقبلة أزمات وجوائح ولو بدرجات مختلفة، ما يفرض على كل الفاعلين توفير سبل التكيف والصمود بين الأفراد.

وذكر بلاغ للمركز أن عبد اللطيف كيداي، عميد كلية التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط وباحث في علم الاجتماع، أبرز، في مداخلته تداعيات الجائحة في بعدها السوسيولوجي على سيكولوجية الأفراد داخل المجتمع، مشيرا إلى تحديات تداخل أدوار الأفراد داخل الأسر في ظل انغلاق الفضاء الخارجي الذي لم يعد مساحة تستغل كمتنفس للضغوطات اليومية، إذ أصبح البيت الحيز الوحيد الذي تكب فيه أنشطة جميع الأفراد، مما يضاعف جهودهم في تقبل واقع الجائحة والاستمرار في نشاطاتهم اليومية من عمل ودراسة عن بعد وتربية ودعم.

من جانبه، اعتبر عبد الله العلوي، أستاذ القانون والخبير في حماية الطفولة، أن هذه الضغوطات في الفضاء الداخلي للأسرة قد يولد نوعا من النمو غير المتكافئ للطفل من الناحية النفسية، أخذا بعين الاعتبار الثقافة السائدة بين الأفراد ورصيدهم المعرفي وتوظيفه من أجل إنتاج تواصل يغطي حاجيات الطفل داخل الأسرة وفي عالمه الخارجي، مما أدى إلى تضارب الأدوار وصعوبة انتقاء الأولويات الأسرية في حياتهم اليومية.

من جهتها، قالت جهاد بنموسى، أخصائية في علم النفس لفئة الأطفال الراشدين والشباب، في مداخلتها، إن شباب الجيل الجديد يتسمون بذكاء عاطفي أكثر عرضة من الأجيال السابقة لخطر الاكتئاب الحاد والقلق والتوتر بسبب الضغوط التي يواجهونها بشكل يومي من أساليب حياة مختلفة واستعمال دائم لوسائل التكنولوجيا الحديثة والتواصل الاجتماعي، حيث أصبحت هذه الأخيرة فضاء مركزيا أكثر من أداة.

وأضافت أن هذه المتغيرات تخلق تفاوتات في تعزيز المناعة النفسية وتسيير العلاقات الاجتماعية وتدبيرها في حالات الأزمات وتبرز سلوكيات قد لا يتم استيعابها بشكل طبيعي لاسيما أن هذه الفئة (الشباب) معروفة بكثرة النشاط والدينامية والحركة.

وبين الأستاذ والأخصائي في علم النفس الإكلينيكي المصطفى الرزرازي، من جهته، مدى خطورة اقتران الأزمة الصحية المتعلقة بفيروس كورونا بإجراء الحجر الصحي كوسيلة لكبح السلوكيات العادية للأفراد خاصة في الفضاء الخارجي، حيث تضاعف الهلع وكثرت المخاوف، مما ينعكس سلبا على العلاقات الأسرية خاصة الفئات التي تعاني من مختلف الأوضاع الصعبة كالمدمنين والمرضى والمعنفين، ما يفرض إعادة النظر في دعامات إرساء مجتمع تنخفض فيه مظاهر العنف والهشاشة.

يشار إلى أن "مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد" هو مركز مغربي للدراسات تم إنشاؤه عام 2014 في الرباط، مهمته الإسهام في تطوير السياسات العمومية الاقتصادية والاجتماعية والدولية التي تواجه المغرب وباقي الدول الإفريقية بصفتها جزءا لا يتجزأ من الجنوب الشامل. ومن هذا المنطلق، يعمل المركز على تطوير مفهوم "جنوب جديد" منفتح ومسؤول ومبادر يصوغ سرديته الخاصة ويبلور تصوراته ومنظوره لحوض المتوسط والجنوب الأطلسي في إطار خال من أي مركب تجاه باقي العالم.